من المسائل التي يشتبه حكمها على كثير من المسلمين: كفارة الظهار وهدي التمتع؛ فأما الظهار فموجبٌ لكفارة مغلَّظة مرتَّبة نصّ عليها القرآن الكريم، وأما هدي التمتع فدمٌ يجب على من جمع بين العمرة والحج، ومن عجز عنه انتقل إلى الصيام. يوضح هذا الدليل حكم كفارة الظهار وخصالها بالترتيب ومقدار الإطعام فيها، وحكم هدي التمتع ومقداره ووقت ذبحه وبدله، مع بيان الخلاف الفقهي الوارد في كل مسألة؛ ليكون المسلم على بيّنة من دينه قبل أن يبرئ ذمته عبر إخراج كفارة الظهار.
ما هي كفارة الظهار؟ تعريفها ودليل وجوبها
الظهار أن يشبّه الرجل ظهر أمه بظهر زوجته فيقول لها: «أنتِ عليّ كظهر أمي» محرّماً إيّاها، وهو من أمور الجاهلية التي أبطلها القرآن، قال تعالى:
"وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ" (الأحزاب: 4)
فليست الزوجة أمّاً بالظهار، ولا يحرم الحلال ولا يحلّل الحرام بمجرد القول؛ وإنما يوجب الظهار الكفارة على من عاد إلى ما حرّم على نفسه، وسُئل الشيخ ابن باز عمن قال لزوجته: «أنتِ عليّ كظهر أمي» فأجاب: «عليك كفارة الظهار»، وبين أنه لا يقربها حتى يكفّر. وبيان هذه الكفارة جاء في سورة المجادلة في ثلاث خصال مرتّبة، لا ينتقل من واحدة إلى ما بعدها إلا بالعجز عنها، قال تعالى:
"وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (المجادلة: 3)
ترتيب خصال كفارة الظهار
كفارة الظهار تجب على الترتيب عند جمهور أهل العلم: أولاً تحرير رقبة، فمن لم يجد فـصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فـإطعام ستين مسكيناً؛ لقوله تعالى: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۖ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا" (المجادلة: 4)، وقد نقل ابن قدامة والخرشي اتفاق أهل العلم على أن من لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام ففرضه إطعام ستين مسكيناً.
مقدار الإطعام في كفارة الظهار
الواجب في الإطعام ستون مسكيناً لا ينقصون، لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد — من تمر أو أرز أو حنطة — ومجموعها ثلاثون صاعاً، وقد قدّرها الشيخ ابن باز رحمه الله بنحو كيلوجرام ونصف لكل مسكين من قوت البلد (تقدير اجتهادي يختلف باختلاف نوع القوت وسعره، ويُرجع في القيمة النقدية إن وُكّلت الجهة إلى أسعار السوق وقت الإخراج). والأصل تمليك كل مسكين نصيبه؛ لأنه مذهب الجمهور، وأجاز بعض أهل العلم إشباعهم غذاءً أو عشاءً، ولا يجوز جمع الكفارة الواحدة لأقل من ستين مسكيناً، وإن تعدّدت الكفارات جاز دفع أكثر من نصف صاع للمسكين الواحد عن كل كفارة. ولمن أراد تفصيل الكفارة المماثلة راجع كفارة الصيام وقيمتها.
هل تجب كفارة الظهار على الفور وقبل المسيس؟
الكفارات واجبة على الفور عند جمهور أهل العلم؛ فالواجب البدار بإخراجها متى وجبت، سواء كانت كفارة ظهار أو وطء في رمضان أو قتل أو يمين، كما نصّ على ذلك الشيخ ابن باز. وأما المسيس قبل التكفير فقد قيّدت الآية فيه العتق والصيام بقوله: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»، ولم يذكر هذا القيد في الإطعام؛ فمَنع الشافعية والحنابلة من الوطء قبل التكفير مطلقاً، وأجاز الحنفية المسيس لمن كانت كفارته الإطعام، والجمهور على أن الكفارة لا تسقط بالمسيس، وأن من واقع قبل التكفير فقد خالف النص وفعليه التوبة والاستغفار مع بقاء الكفارة في ذمته.
هل تجزئ القيمة النقدية في كفارة الظهار؟
الأصل في الكفارة أنها إعتاق أو صيام أو إطعام أو كسوة، ولا تجزئ القيمة النقدية عند جمهور أهل العلم، وأجاز أبو حنيفة إخراج القيمة في الكفارات، ومن وكّل جهة خيرية معتمدة يتيقن أنها توصل الطعام إلى ستين مسكيناً وتملّكهم إيّاه فقد خرج من الخلاف، ومن أراد الاحتياط ضمّ إلى التوكيل إطعاماً مباشراً لأقاربه ومعارفه من الفقراء. وقد تُنفَّذ الكفارة بتوكيل جهة خيرية معتمدة موثوقة، وحول الجهة المعتمدة وآلية الإخراج راجع جمعية بر العارضة في نهاية هذا الدليل.
ما هو هدي التمتع؟ ومتى يجب؟
هدي التمتع هو الذبيحة التي تلزم لمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم تحلل وأحرم بالحج في سفرة واحدة، وهو دم نسك لا جبران، ويجب عند جمهور أهل العلم على المتمتع والقارن ممن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، قال تعالى:
"فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" (البقرة: 196)
مقدار هدي التمتع المجزئ
أقل ما يجزئ شاة واحدة عن المتمتع، ويجزئ سبع بدنة أو سبع بقرة؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" (رواه مسلم: 1318)، ولا يصح أن يشترك ثمانية في بدنة واحدة، ويُستحب للمُهدي أن يأكل من هدي التمتع ويطعم، قال تعالى: "فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ" (الحج: 36).
وقت ذبح هدي التمتع
يبدأ وقت الذبح عند جمهور الفقهاء من يوم النحر ويمتد إلى أيام التشريق، واختار الشافعية جواز ذبحه بعد الإحرام بالحج ولم يحدّوا لآخره حداً، والأفضل تأخيره إلى يوم النحر للاتباع وخروجاً من خلاف الأئمة الثلاثة؛ إذ لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عمن كان معه أنه نحر قبل يوم النحر، ومن نحر قبله فعليه إعادة الذبح في وقته عند من لم يجزئه، والمسألة من مناسك الحج التي يُرجع فيها إلى الجهة الرسمية التي تتولى تنفيذ الهدي وإيصاله إلى محله بالحرم، والواجب أن يكون الذبح داخل حدود الحرم؛ لأنه دم نسك لا يجوز إخراجه عن موضعه.
حكم من عجز عن هدي التمتع: صيام ثلاثة أيام وسبعة
من لم يجد هدياً ولا ثمنه لزمه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا باتفاق الفقهاء، وتلك عشرة كاملة كما نصّت الآية. ولا يشترط التتابع في الثلاثة ولا في السبعة باتفاق المذاهب الأربعة، ويجوز صيام الأيام الثلاثة في أيام التشريق لمن لم يجد الهدي عند المالكية والحنابلة وقول قديم عند الشافعية؛ لحديث عائشة وابن عمر: "لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي" (رواه البخاري). وأجاز الحنفية والحنابلة تقديم صيامها بعد الإحرام بالعمرة، ومنعه المالكية والشافعية حتى يُحرم بالحج. ومن أخّر صيام الثلاثة حتى انقضى حجه فعليه قضاؤها عند الجمهور، وذهب الحنفية إلى أنه يلزمه الدم. وأما السبعة فيستحب أن يصومها بعد رجوعه إلى أهله، ويجوز صيامها بمكة بعد فراغه من الحج عند جمهور الفقهاء.
الفرق بين هدي التمتع والأضحية وصدقة التطوع
يخلط كثيرون بين هذه الثلاثة، والفرق أن هدي التمتع واجب بسبب الجمع بين النسكين ولا يُذبح إلا في الحرم المكي، وأن الأضحية سنة مؤكدة عند الجمهور وواجبة على الموسر عند الحنفية وتُذبح في بلد المضحي أيام النحر، وأن صدقة التطوع عامّة في كل زمان ومكان ولا توقيت لها ولا مكان. ولا يُجزئ أحد الثلاثة عن الآخر؛ لأن لكل عبادة سببها وموضعها. ولمن أراد معرفة الضوابط الشرعية للذبح والسنن والعيوب المانعة راجع أحكام الأضحية وشروطها، ولمن أراد التوكيل في الذبح والتوزيع قراءة توكيل الجمعية في الذبح.
كيف تخرج إطعام كفارة الظهار عبر جهة معتمدة؟
تقديم الكفارة عبر جهة معتمدة يحفظ كرامة الفقير ويضمن وصول القدر الواجب إلى مستحقيه في وقت واحد، وهو أنفع من توزيعه على عدد ناقص. وجمعية بر العارضة بجازان مرخصة رسمياً برقم 230 من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، وتعمل وفق أعلى معايير الحوكمة في جمع الأموال وصرفها، فيستقبل الموقع التبرعات عبر صفحة التبرع الرسمية ويصرفها في الأوجه التي تحددها الجمعية من مصارف الخير. وإذا أردت إخراج كفارة الظهار فالتحقق أولًا من إمكانية تخصيص مبلغ التبرع لإطعام ستين مسكيناً وتمليكهم قوتهم — بالاتصال بالجمعية قبل الإيداع — هو الطريق أحوط للذمة، أو توكيل من يوثق بتصريف الكفارة في مصرفها. ويُنصح عند إتمام الطلب أن تُحدّد نية الكفارة ومقدارها وعدد المساكين، ولمعرفة تفاصيل التنفيذ راجع صفحة التواصل بالجمعية.
الأسئلة الشائعة
كم كفارة الظهار لمن عجز عن الصيام؟
ينتقل العاجز عن العتق والصيام إلى إطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد ومجموعها ثلاثون صاعاً، ولا يجوز أن ينقص العدد عن ستين مسكيناً في الكفارة الواحدة.
هل تجزئ قيمة كفارة الظهار نقداً؟
لا تجزئ القيمة عند جمهور أهل العلم؛ لأن الواجب الإطعام أو الكسوة أو العتق، وأجازها الحنفية، ومن أراد براءة ذمته على الوجه المتفق عليه فليخرجها طعاماً مملَّكاً للمساكين.
هل يجوز المسيس قبل إخراج الكفارة؟
قيّد القرآن العتق والصيام بـ«مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»، فمنعه الشافعية والحنابلة مطلقاً، وأجازه الحنفية في حق من كانت كفارته الإطعام، ومن واقع زوجته قبل التكفير لم تسقط عنه الكفارة وفعليه التوبة والاستغفار، والخلاف في المسألة مشهور.
من يلزمه هدي التمتع؟
يلزم المتمتع والقارن لحكم آية البقرة 196، ويُستثنى من كان أهله حاضري المسجد الحرام بنصّ الآية، ومن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
كم يجزئ من الذبح في هدي التمتع؟
يجزئ شاة واحدة عن المتمتع، ويجزئ عنها سبع بدنة أو سبع بقرة لحديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم (1318)، ولا يجوز الاشتراك في الشاة الواحدة، وللإطلاع على الخيارات المتاحة للإخراج يمكن الذهاب إلى التبرع عبر موقع الجمعية.

