زكاة العملات الرقمية: الحكم الشرعي عند الهيئات وطريقة الحساب

زكاة العملات الرقمية: أقوال الهيئات في حكم البيتكوين، ومتى تجب الزكاة، والنصاب والحول، وطريقة الحساب بالقيمة السوقية يوم الوجوب وحالات التعدين.
زكاة العملات الرقمية

سؤال زكاة العملات الرقمية يجمع مسألتين لا واحدة: الأولى حكم امتلاكها وتداولها، وقد بقيت محل نظر عند بعض المجامع وموضع تحريم عند هيئات أخرى؛ والثانية كيفية الزكاة على منملكها إذا قلنا إنها مال متقوَّم. في هذا الدليل نعرض زكاة العملات الرقمية بأقوال الجهات المذكورة لا برأي واحد مُطلق، ثم نشرح النصاب والحول وطريقة الحساب بالقيمة السوقية يوم الوجوب، وحالات التعدين والهامش والعملات المستقرة، وما يترتب على ذلك من توصيل الحق إلى مستحقيه فعلاً.

أولًا: هل العملة الرقمية مال تجب فيه الزكاة؟ أقوال الهيئات

من منع التعامل: دار الإفتاء المصرية رأت أن تداول البيتكوين وأشباهها بالبيع والشراء والإجارة «حرام شرعًا» لافتقارها إلى الاعتماد من الجهات المختصة وما فيها من غرر وجهالة وغش؛ ولجنة الاجتهاد والفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قررت في سبتمبر 2022م عدم جواز التعامل بالبيتكوين والعملات الرقمية «غير الرسمية» ولا تداولها ولا تصنيعها، وأبقت الاستثناء للعملات الرسمية التي تصدرها الدولة أو تتبناها البنوك المركزية وتضمنها؛ والشيخ عبدالله المنيع عضو هيئة كبار العلماء يرى أن هذه العملات «لا تملك معنى الثمنية» وأن فيها أكلًا لأموال الناس بالباطل. وأما نظاميًا: فالريال السعودي هو وحدة النقد في المملكة بحسب نظام البنك المركزي السعودي، وقد أوضحت هيئة السوق المالية أن العملات الافتراضية غير معتمدة كعملات رسمية في المملكة ولا جهة مرخصة لممارستها، مع تحذيرات متكررة من اللجنة المختصة منذ 2018م.

من أجاز بضوابط: الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات رأت في فتوى عام 2021م جواز المتاجرة بالعملات الرقمية الافتراضية لكونها صارت وسيلة تبادل مقبولة عند طائفة من الناس؛ و«الإسلام سؤال وجواب» ألحق العملات الرقمية بالنقود الورقية مجريًا عليها أحكامها من الزكاة والربا، واشترط التقابض في المجلس وألا يتجاوز المتعامل ما يملك فعلًا (فلا هامش ولا رافعة مالية).

التوقف وطلب مزيد البحث: مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الرابعة والعشرين (دبي 2019م) لم يحسم المسألة حسمًا نهائيًا، ورهنها ببيان الطبيعة الفقهية للعملة الرقمية: هل هي سلعة أم منفعة أم أصل استثماري أم أصل رقمي؟ وكذلك لم يصدر — بحسب ما نُشر عن الهيئة ومراجعات الباحثين — معيارٌ شرعي نهائي مخصّص للعملات الرقمية من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، والمعيار (57) المعروف لديها خاصٌّ بالذهب وأحكام تداوله؛ فلا يُنسب إليها حكمٌ في البيتكوين. والخلاصة العملية: هذه مسألة اجتهادية معروفة الخلاف، فمن كان يتعامل بها فليسأل جهة إفتاء موثوقة عن واقعه، وأما من يريد أن يبرئ ذمته فله أن يحتاط بالجمع بين إخراج الزكاة والتخلّص من الشبهة.

متى تجب زكاة العملات الرقمية عند المجيزين؟

عند من اعتبرها مالاً متقوَّمًا — وهو مبني على ما قرره مجمع الفقه الإسلامي من أن العملات الورقية نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة ولها أحكام الذهب والفضة في الربا والزكاة والسلم — فإن الزكاة تجب بشرطين:

الشرط الأول: النصاب. يُقوَّم النصاب بأحد مقياسين معتمدين عند المفتين المعاصرين: قيمة 595 جرامًا من الفضة (وهو ما اعتمده «الإسلام سؤال وجواب» في تقدير نصاب العملات)، أو قيمة 85 جرامًا من الذهب كما في فتاوى تقدير النصاب بالنقد. ولا حرج في أن يبلغ المال النصابَ بانضمام النقود والذهب والفضة وعروض التجارة إليه؛ فالحول يُحسب على الجملة لا على كل عملة وحدها.

الشرط الثاني: الحول. وحوله يختلف حسب مصدر الملك: من ملك العملة بهبة أو بتعدين فحوله من يوم ملكه؛ ومن اشترى العملات بنصاب من النقود أو عروض التجارة فحوله حولُ أصل المال الذي دفعه؛ ومن اشترى بما دون النصاب فحوله من يوم بلوغه النصاب. ولا يقطع تقلب الأسعار الحولَ ما دام المال باقيًا.

كيفية الحساب في أربع خطوات

١. قوّم بسعر يوم الوجوب

احسب قيمة ما في محفظتك من العملات من سوق معتاد يوم وجوب الزكاة — لا بسعر شرائك، ولا بأعلى سعر مرّت به العملة في السنة؛ فقد نصّ المفتون على أنه «لا أثر لارتفاع العملة وانخفاضها، فيلزمك الإخراج منها أو من قيمتها في يوم الزكاة».

٢. أضفها إلى بقية المال الزكوي

النقود في الحسابات والبنك + الذهب والفضة + عروض التجارة + العملات الرقمية = وعاء واحد. وإن كان عندك مال آخر يحول في رجب مثلًا وأحببت أن تزكي الجميع في رمضان، فلا حرج؛ لأن تعجيل الزكاة جائز عند جمهور أهل العلم.

٣. أخرج ربع العشر (2.5%)

مثال توضيحي بافتراضات لا بسعر واقعي: لو كان مجموع وعائك الزكوي عند الحول 100,000 ريال، فالزكاة 2,500 ريال. وإن كانت في المحفظة عملٌ اشتُري برخص فارتفعت قيمته، فاعتبر ما صار إليه لا ما دفعته فيه؛ ونصّ المفتون على ذلك بقاعدة عملية: «فلو ملك في أول الحول مائة من العملة، فصارت في نهاية الحول مائة وخمسين، زكّى مائة وخمسين».

٤. سلّم الزكاة أو القيمة

يجوز عند المجيزين أن تخرج الزكاة من العملات نفسها فتدفعها لمن ينتفع بها، ويجوز أن تخرج قيمتها نقدًا أو من ذهب أو فضة؛ والأصل أن يكون المدفوع نافعًا للمستحق تمليكًا، لا ورقة لا ينتفع بها صاحبها.

حالات خاصة تُخطئ فيها الحسابات

التعدين: ما تحصل عليه بالتعدين مال تملكه يوم قبضه، فحوله من يوم ملكه؛ وأما معدّات التعدين فأداة تشغيل لا مال معدّ للنماء، فالوعاء يُبنى على الريع المحصّل لا على قيمة الآلة المستخدمة — وهذا كمن يملك سيارة يعمل بها لا يبيعها؛ وللمقارنة مع الأصول المالية المسجّلة اقرأ تطهير الأسهم.

الهامش والرافعة المالية: ممنوع عند القائلين بالجواز أصلًا، لأنه يجمع بين القرض الجرّار للفائدة وبيع ما لا يملكه الإنسان؛ والقرض الذي يجرّ نفعًا ربا، وقد قال ﷺ في تحريم الغرر ما رواه مسلم من النهي عن بيع الغرر، وقال: "من غشّنا فليس منا" (رواه مسلم). فلا تُدخل في الوعاء ما هو مقترض، ولا تُسقط منه ما ليس دينًا حالًّا عليك.

العملات المستقرة: هي أقرب إلى النقود الورقية في المعنى؛ لأنها مرتبطة بعملة أو أصل معلن، فيُطبَّق عليها حكم النقود في الزكاة عند من جوّز التعامل بها.

العقود الآجلة والمشتقات وعقود الفروقات: لا تملك فيها أصلًا حقيقيًا، فهي في باب الميسر لا البيع؛ ولا تُحتسب أموالًا زكوية بل تُنظر في مشروعيتها أولًا.

الدين: إن كان عليك دين حالّ مستحق السداد فالأصل أن يُخصم من الوعاء، وإن كان مؤجلًا فالتفصيل عند أهل العلم مشهور، واسأل عنه في حالتك تحديدًا.

عند من رجّح التحريم: لا زكاة بل تخلّص

من قال بتحريم التعامل بها لا يرى أن «إخراج 2.5%» يُسوّغ بقاء المال؛ لأن الزكاة تطهّر المال الطيب، قال تعالى: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" (التوبة: 103). وموضع الاتفاق عندهم أن يُضاف الأصل الذي دفعته إلى أموالك فتُزكّيه في مكانه، ثم ما نتج من أرباح يُتخلّص منه في مصالح المسلمين العامة، لا على أنه زكاة ولا صدقة واجبة، بل على وجه التخلص من الخبيث؛ وهذا هو الفرق بين «التطهير» و«الزكاة» الذي شرحناه تفصيلًا في التبرع بمبلغ التطهير، ولحسابه عمليًا استخدم حاسبة التطهير.

توصيل الزكاة إلى مستحقيها: الضابط الشرعي والنظامي

الزكاة لا تبرأ بها الذمة إلا بوضعها في مصرفها: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ" (التوبة: 60). وإن وكّلت جهة في توزيعها فاشترط عليها ما اشترطه أهل العلم: أن تُنفذ في مصرفها المحدد، وأن تكون الجهة مأذون لها نظامًا بجمع التبرعات؛ وقد قال تعالى في حرمة إضاعة المال وأكله بالباطل: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ" (البقرة: 188). ثم وثّق: اطلب إيصالًا باسمك يذكر أنه «زكاة» لا صدقة عامة، وراجع سريان الترخيص وقنوات الجمع كما شرحنا في التحقق من الترخيص، وراجع بعد ذلك القوائم المالية والإفصاحات المنشورة على صفحة الإفصاحات لجمعية بر العارضة؛ ولحساب وعائك بالكامل قبل الإخراج استخدم حاسبة الزكاة.

أخطاء شائعة في زكاة العملات الرقمية

١. أن تُزكي بسعر الشراء بدل سعر يوم الوجوب. ٢. أن تُخرجها من أصل مقترض أو مُموّل بالهامش، فليس هو مالًا تملكه. ٣. أن تجعل حول كل عملة على حدة، فتُضعف الوعاء وتُضيّع ضمّ الأرباح. ٤. أن تحتسب رسوم المنصّات و«الغاز» مرّتين: مرة كمصروف ومرة كانقاص للمال. ٥. أن تُزكي المحفظة ولا تُزكي النقود التي بعتها واشتريت بها؛ فالحول حول الأصل في هذه الحالة. ٦. أن تُخرج الزكاة في عملة لا ينتفع بها الفقير، فليس هذا تمليكًا. ٧. أن تظن أن إخراج 2.5% يجعل التعامل الحرام مشروعًا؛ فالزكاة فرعٌ عن المال الطيب، وليست تسويغًا.

الأسئلة الشائعة

كم نصاب زكاة العملات الرقمية؟

يُقدره المفتون المعاصرون بقيمة 595 جرامًا من الفضة أو 85 جرامًا من الذهب، ثم تُحوَّل إلى عملتك بسعر اليوم؛ فإذا بلغ مجموع مالك الزكوي هذا الحد وحال عليه الحول، وجب ربع العشر.

هل تجب الزكاة في المحفظة الصغيرة؟

إن لم يبلغ مجموع مالك النصاب فلا زكاة، لكن يبقى لك باب الصدقة المفتوح الذي لا نصاب له ولا حول؛ وتُضمّ العملات الصغيرة إلى نقودك وذهبك وفضتك في الحساب، فربما اكتمل النصاب بالضم.

هل تُخرج الزكاة من البيتكوين نفسها؟

يجوز عند من أجاز التعامل بها أن تدفع من العملات نفسها لمن ينتفع بها فعلًا، ويجوز أن تُخرج قيمتها نقدًا، وهو أحوط لأن الفقير يتمكّن من الانتفاع بالنقد القطعي؛ والأصل أن يكون المدفوع متموّلًا نافعًا لا رمزًا لا يُقبل.

ماذا عن الأرباح إذا نقصت قيمة العملة عند الحول؟

تُزكّي ما عندك بقيمة يوم الوجوب؛ فالعبرة بالقيمة القائمة لا بسعر الشراء، ولا يلزمك تضمين ما خسرت من سعر، ولا يُقطع الحول بتقلب السعر ما دامت العملة موجودة.

هل أزكي عملة محرمة عند من حرّمها؟

عند من رجّح التحريم لا تُسمّى زكاة على الربح، بل يُتخلّص منه في مصالح المسلمين العامة، ويُزكّى الأصل إن كان من مالك الطاهر؛ وخلاصة الطريق أن تسأل جهة إفتاء معتبرة عن حالتك، وألا تخلط بين إبراء الذمة بالزكاة وبين التخلص من المال الخبيث.

زكاة العملات الرقمية: الحكم الشرعي عند الهيئات وطريقة الحساب
المدونة
تبرع سريع