لم يعد الوقف الخيري للشركات في السعودية حكرًا على العقارات؛ فبعد التنظيمات الأخيرة أصبح للشركة أن توقف أسهمًا أو نقودًا أو منقولات أو منافع، وأن تُنشئ شركة مملوكة بالكامل لوقف ينفخ ريعها في أوجه البر. في هذا الدليل نشرح الوقف الخيري للشركات في السعودية بأركانه ومساره النظامي لدى الهيئة العامة للأوقاف، وأثره في الوعاء الزكوي والاستثناءات المنشورة في اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة، والأخطاء التي تُفقد الشركة ما ظنت أنها اكتسبته — مع أمثلة عملية قابلة للتنفيذ من أول اجتماع مجلس إدارة.
ما هو الوقف الخيري للشركات؟ التعريف الشرعي والنظامي
الوقف شرعًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة؛ وأصله ما جاء في حديث ابن عمر أن عمر أصاب أرضاً بخيبر فاستأمر النبي ﷺ فيها، فقال: "إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدقتَ بها" (رواه البخاري، كتاب الوقف). وعلى هذا جرى عمل الأمة: لا يُباع الأصل ولا يُورَث ولا يُوهب، ويُصرف الريع على مصرف البر؛ وقد عرّف الفقهاء الوقف بأنه «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة». وبذلك يبقى الأجر جارياً لصاحبه ولو بعد وفاته، لحديث أبي هريرة: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم: 1631). ونص الوقف الخيري هو ما كان مصرفه على أوجه البر العامة لا على أشخاص معينين، بخلاف الوقف الأهلي (الذري) أو المشترك.
ونظامياً، حددت الهيئة العامة للأوقاف في دليلها أربعة أركان لا ينعقد الوقف إلا بها: الواقف (كامل الأهلية، مالكاً للعين ملكية تامة، غير محجور عليه)، والصيغة (لفظ أو فعل يدل صراحة على إنشاء الوقف، كإنشاء مسجد وتسليمه لعموم المصلين)، والموقوف (مال متقوم معلوم موجود أو قابل للوجود)، والموقوف عليه (جهة مباحة يمكنها التملك شرعاً ونظاماً). وبهذا تنتقل الشركة من «تبرع سنوي» إلى أصل دائم يمول مصروفاً محدداً بقرار الواقف.
صيغ الوقف الخيري المتاحة للشركات في السعودية
وقف الأسهم والحصص
أجاز الدليل وقف الأسهم وحصص الشركات التجارية، بشرطين: أن تكون أنشطة الشركة مشروعة، وأن تكون الأسهم مدرة للأرباح بما يحقق مصلحة الوقف واستدامته. ويصح وقف الحصة الشائعة دون اشتراط إذن الشركاء، مع بقاء حقوقهم في قراراتهم على أنصبتهم.
وقف النقود والصناديق الوقفية
وقف النقود جائز بشرط أن يكون على وجه استثمارها مع بقاء أصلها، ويكون ريعه ما ينتج عن المضاربة أو الاستثمار؛ والصناديق الوقفية هي النموذج المعاصر الأيسر للشركات لتفعيل هذا النوع، لأنها تحوّل المبلغ إلى أصل مُدار باحترافية، بحوكمة واضحة وعائد موزّع على المصارف المحددة.
وقف المنقولات والمنافع
يجوز وقف المنقولات التي يُنتفع بها مع بقاء عينها — كسيارات التوزيع، وخطوط الإنتاج، والمعدات، والأجهزة الكهربائية — كما يجوز وقف المنافع كحق الانتفاع بعقار لمدة محددة لخدمة الفقراء أو طلبة العلم مع بقاء ملكية الأصل. وهذا أقرب صيغة للشركات التشغيلية: بدل أن توزع معدلاً مستهلكاً، تحبسه وتُجري نفعه.
شركة مملوكة بالكامل لوقف
للشركة أن تكون أصلاً موقوفاً أو أن تُنشأ شركة يملكها الوقف بالكامل، فيُصرف ريعها على مصارف الوقف؛ وهذا البناء تحديداً هو محل النصوص المنظمة للاستثناء الزكوي كما سيأتي.
الأثر الزكوي: ماذا نصت عليه اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة؟
في المادة (السابعة) من اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة — الصادرة بقرار وزاري رقم (1007) وتاريخ 19-8-1445هـ — نص على أن يستثنى من الخضوع لجباية الزكاة المكلفون الذين يمارسون أنشطة النفع العام «من خلال طلب سنوي يقدم للهيئة خلال (120) مئة وعشرين يومًا من نهاية العام الزكوي»، وذكرت من هؤلاء: الأوقاف والشركات والمؤسسات المملوكة بالكامل للأوقاف، بشرط أن تنص وثيقة الوقف على أن جميع مصارف الوقف في أوجه البر العامة وألا يكون فيه مصرف على معين، أو يكون فيه مصرف على معين لا يزيد عن (10%) من غلة الوقف.
وبموجب مواد اللائحة نفسها يُحتسب «المصرف على معين» بما يشمل كل ما يُصرف على الواقف أو ذريته أو أي شخص معين أو موصوف بوصف يخرج عن أوصاف البر العامة أو الجهات المرتبطة بالوقف؛ وتُحتسب «غلة الوقف» بكل إيراداته السنوية بما فيها عوائد الأصول ودخل وأرباح الاستثمارات والشركات والتبرعات؛ ويكون الإثبات بالنسبة بالقوائم المالية المدققة أو تقرير من محاسب قانوني مرخص له في المملكة. الخلاصة العملية: الصياغة الخاطئة لوثيقة الوقف قد تُسقط الاستثناء ولو كان الوقف خيري النية.
وفوق ذلك، نص نظام الهيئة العامة للأوقاف بعد تعديل المادة (الحادية والعشرين) بالمرسوم الملكي رقم (م/72) وتاريخ 1-6-1444هـ على استثناء الوقف الخيري، والحصة الخيرية في الوقف المشترك، المسجلين لدى الهيئة، من أحكام نظام التكاليف القضائية؛ وفي المادة (الخامسة) تتولى الهيئة تسجيل جميع الأوقاف بعد توثيقها وحصر أموالها وبناء قاعدة معلومات عنها. كما نص نظام الأوقاف على ألا تخضع الأوقاف الخيرية — والحصة الخيرية من الأوقاف المشتركة — المسجلة لدى الهيئة للزكاة والضرائب والرسوم الحكومية، مع تنسيق الهيئة مع هيئة الزكاة والضريبة والجمارك لوضع الضوابط اللازمة؛ فالإعفاء إذن مرتبط بالتسجيل وحسن صياغة الوثيقة، لا بمجرد نية الوقف.
ماذا عن الأثر الضريبي؟ نقطة يجب تحديدها بدقة
لا يُعامَل الوقف تلقائياً معاملة التبرع النقدي في الوعاء الضريبي؛ فتقبل اللائحة ضمن المصروفات «التبرعات المدفوعة للجهات المرخصة داخل المملكة، وفق الأنظمة ذات العلاقة»، وتشترط المادة السابقة لها أن تكون المصروفات فعلية مرتبطة بالنشاط ومثبتة بمستندات تقبلها الهيئة. وأما نقل أصل إلى شركة مملوكة بالكامل لوقف أو إنشاء شركة لأجل الريع، فمعالجته المحاسبية والضريبية تُحدَّد بحسب وصف العملية وحجمها، ويجب عرضها على محاسب قانوني مرخص قبل التسجيل، لا بعد الإقرار. وللمقارنة التفصيلية اقرأ: الخصم الضريبي للتبرعات.
المسار التنفيذي: من قرار المجلس إلى الرقم الموحد للوقف
١.قرار داخلي ودراسة الأثر
قرار مجلس إدارة يحدد: العين الموقفة، المصارف، مدة الاستدامة، وأثر ذلك على حقوق الشركاء والالتزامات القائمة على العين؛ ثم توثيق القيمة الدفترية والعادلة.
٢. صياغة وثيقة الوقف
الوثيقة هي المرجع: تكتب فيها الصيغة الدالة على الوقف، ووصف الموقوف، والمصرف بالتفصيل، وآلية الصرف، وطريقة تطوير الوقف، ومن هو الناظر. وقد شدد دليل الهيئة على وضوح شروط الوقف وأهدافه «تجنباً للنزاعات المستقبلية».
٣. التوثيق ثم التسجيل لدى الهيئة
يُوثَّق الوقف عبر الجهة العدلية المختصة (كتابات العدل عبر منصة ناجز)، ثم يُسجَّل لدى الهيئة العامة للأوقاف عبر خدماتها في موقعها الرسمي للحصول على الرقم الموحد للوقف؛ ووفق ما يظهر من متطلبات التسجيل لا يباشر الوقف أعماله النظامية — كفتح حساب بنكي أو إبرام عقد باسمه — إلا بعد اكتمال تسجيله.
٤. اللوائح الداخلية ومجلس النظارة
حددت أسئلة الهيئة الشائعة أن على الأوقاف الكبيرة والمتوسطة إعداد: لائحة تنظيم مجلس النظارة (التنفيذية)، ولائحة الاستثمار، ولائحة الصرف، أو دمجها في لائحة واحدة بحسب حجم الوقف وتعقيداته.
٥. المراجعة القانونية والإقرار السنوي
يُعَد ملف القوائم المدققة ومحضر الجمعية/المساهمين وعقد الإيجار أو إدارة الأصل جزءاً من «ملف الاستثناء الزكوي» الذي يُقدَّم خلال 120 يوماً من نهاية العام؛ فمن أضاع الميعاد أضاع سنة كاملة من الاستثناء حتى لو كان الوقف صحيحاً.
سبعة أخطاء تُسقط أثر الوقف عن الشركات
1. «تسمية الوقف» فقط: أن تعلن الشركة وقفاً وتبقى تتصرف في الأصل أو ترجع ريعه لحسابها — فالوقف تحبيس، ودخول ذلك في حسابات الشركة ينافي مقتضاه. 2. خلط المصارف: أن يُكتب في الوثيقة «على المحتاجين وموظفي الشركة» بلا ضابط، فيصبح «مصرفاً على معين» ويقترب من الحد الذي يُلغي الاستثناء. 3. التأخر في التسجيل: بلا رقم موحد لا حساب ولا عقود ولا إقرار زكوي صحيح. 4. إهمال لوائح الصرف والاستثمار: ما لا يُدار بلائحة لا يُدقَّق، وما لا يُدقَّق لا يُقبل عند الفحص. 5. النظر للوقف كوعاء تسويقي: والنية شرط القبول؛ قال تعالى: "لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ" (آل عمران: 92). 6. وقف كل المال مع وجود ورثة أو التزامات: وقد ورد في ذلك: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (متفق عليه: رواه البخاري: 1295 ومسلم: 1628)، وهو أصل في مراعاة الحقوق قبل الإسراف في التبرع. 7. الغفلة عن الأمانة: قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" (الأنفال: 27).
أمثلة عملية قابلة للتنفيذ في جمعية محلية
لو كانت الشركة في منطقة جازان أو مركز العارضة، فأقرب الأوقف أثراً أن تجعل ريع أصلها الوقف على مصارف تعرفها الجمعية ميدانياً: كفالة اليتيم الشهرية عبر الكفالة الشهرية، أو مشروع السقيا، أو دعم الأسر في تفريج الكربات. ولتحديد شكل المشاركة (وقف نقدي، أو هبة أصل، أو رعاية ريع) تُراجَع بيانات الجمعية في صفحة الأوقاف والاستثمارات، ويُطلب من الإدارة إفادة مكتوبة بوجه الصرف، ثم تُقارَن بأرقام الأداء في الإفصاحات والقوائم المالية. وإن كان القرار النهائي «تبرع لا وقف»، فالاشتراك الشهري هو الأنسب، واقرأ التبرع الدوري للجمعيات الخيرية.
الوقف والسمعة المؤسسية: الأجر أولاً
الوقف يخدم الشركة في ثلاثة معانٍ مشروعة: استقرار التزامها المجتمعي بخزنة دائمة لا بميزانية سنوية قابلة للإلغاء، وأثر تنموي ممتد في محيطها الجغرافي، وأمان شرعي بأن مالها خرج لمصرفه. لكنه لا يخدمها إن صار غطاءً تسويقياً أو أداة لتحسين مركز مالي أو ضريبي على حساب الفقير؛ وقد قال ﷺ: "من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة" (رواه البخاري: 450، ومسلم: 533) — فالتعليق بـ«وجه الله» هو الشرط، وهو نفسه ما يجعل الوقف مستقلاً عن كل تغيير في مجلس الإدارة أو السياسة. وللمسؤول الذي يريد أن يعرف أثر تبرعه لاحقاً، يراجع ملف التحقق من وصول التبرعات والتقارير المنشورة، كما في التقارير المالية.
تنويه: ما ورد في هذا الدليل شرح تثقيفي للنصوص المنشورة (نظام الهيئة العامة للأوقاف، واللائحة التنفيذية لجباية الزكاة، ودلائل الهيئة) ولا يُعد استشارة ضريبية أو محاسبية ولا فتوى شرعية؛ فقبل تأسيس الوقف أو تقديم طلب الاستثناء تُراجع الهيئة العامة للأوقاف، ومحاسب قانوني مرخص له في المملكة، وجهة إفتاء معتبرة في صياغة شروط الواقف ومصارف الوقف.
الأسئلة الشائعة
ما أشكال الوقف الخيري للشركات في السعودية؟
أربعة صيغ رئيسية؛ فوقف الأسهم والحصص جائز بشرط مشروعية النشاط ومدريّة الأرباح، ووقف النقود جائز بشرط استثمارها مع بقاء أصلها وصرف ريعها على المصرف المحدد، والصناديق الوقفية هي القالب الأيسر لتطبيق وقف النقود للشركات.
هل يُعفى الوقف من الزكاة تلقائياً؟
لا؛ الاستثناء في اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة مشروط بطلب سنوي يقدم خلال 120 يوماً من نهاية العام الزكوي، وبأن تكون وثيقة الوقف حاصرة لمصارفها في أوجه البر العامة، وألا يزيد «المصرف على معين» على 10% من الغلة، مع قوائم مالية مدققة أو تقرير محاسب قانوني مرخص.
ما الفرق بين وقف أصل والتبرع السنوي؟
الوقف يُحبس فيه الأصل ويبقى الريع مستمراً، ولا يجوز بيع الأصل ولا هبته ولا توريثه، وأما التبرع النقدي فيُصرف مرة واحدة وينقطع بانقطاع المتبرع. للشركة أن تجمع الاثنين: وقف يمول الالتزام المجتمعي الدائم، وتبرع موسمي للحالات الطارئة.
هل يجب تسجيل الوقف لدى الهيئة العامة للأوقاف؟
التسجيل هو ما يمنح الوقف كيانه النظامي: تتولى الهيئة تسجيل جميع الأوقاف بعد توثيقها وحصر أموالها، ولا يباشر الوقف أعماله كفتح حساب أو إبرام عقد إلا بعد التسجيل والحصول على الرقم الموحد. وبيانات التسجيل وخدماته متاحة في موقع الهيئة العامة للأوقاف.
كيف تختار الشركة مصرف وقفها ليكون أنفع؟
ابدأ بأقرب حاجة ملموسة إلى محيط نشاطها (كفالة أيتام، سقيا، سداد ديون معسرين، تعليم)، ثم قِس الأثر لا الصور: لائحة مستفيدين مكتوبة، وقوائم مالية مدققة، ونتائج رضا محدَّثة سنوياً، وسجل صرف واضح؛ وما لا يمكن توثيقه لا يصلح أن يكون مصرف وقف.

